ابن المقفع
88
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
يعيبك عند النّاس ولا تراه أنت عيبا ، فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من حسبك أو مثالب آبائك أو عيب إخوانك ، ثم اجعل ذلك كلّه نصب عينيك . . . واعلم أنّ عدوّك مريدك بذلك فلا تغافل عن التّهيؤ له والإعداد لقوّتك وحجّتك وحيلتك فيه سرا وعلانية ، فأمّا الباطل فلا تروعنّ « 1 » به قلبك ولا تستعدّنّ به ولا تشتغلنّ به فإنّه لا يهولك ما لم يقع وإذا وقع اضمحلّ . 7 - اعلم أنّه قلّما بده أحد بشيء يعرفه من نفسه ، وقد كان يطمع في إخفائه عن النّاس فيعيّره به معيّر عند السلطان أو غيره ، إلا كاد - يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه للذي يبدو منه عند ذلك ، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البداهة « 2 » . فاحذر هذه وتصنّع لها وخذ أهبتك لبغتاتها . * * مخاطر الافتتان بالنّساء اعلم أنّ من أوقع الأمور في الدّين وأنهكها للجسد وأتلفها للمال وأضرّها بالعقل وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار ، الغرام بالنّساء . ومن البلاء على المغرم بهنّ أنه لا ينفكّ يأجم « 3 » ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهنّ . وإنّما النساء أشباه وما يرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهنّ على معروفاتهنّ باطل وخدعة ، بل كثير مما يرغب عنه الرّاغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهنّ . وإنما المترغّب عمّا في رحله منهنّ إلى ما في رحال النّاس ، كالمترغّب عن طعام بيته إلى ما في بيوت النّاس ، بل النساء أشبه من الطعام بالطّعام وما في رحال النّاس من الأطعمة أشدّ تفاضلا وتفاوتا ممّا في رحالهم من النّساء .
--> ( 1 ) تروعنّ به قلبك : تدخل على قلبك الروع أي الخوف الشديد والهلع . ( 2 ) البداهة : المفاجأة ، والمبادهة الارتجال والبداهة أول كلّ شيء . ( 3 ) يأجم : يدخل أجمته والأجمة أصلا : مأوى الأسد .